أبي منصور الماتريدي

149

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

--> - بالقول ؛ لأن الفىء بالجماع هو الأصل ، إذ به يندفع الظلم عن الزوجة حقيقة ، والفىء بالقول خلف عنه ، ولا عبرة بالخلف مع القدرة على الأصل ، كالتيمم مع الوضوء . والعجز نوعان : عجز حقيقي وعجز حكمي ، فالعجز الحقيقي : مثل أن يكون أحد الزوجين مريضا مرضا يتعذر معه الجماع ، أو تكون المرأة صغيرة لا يجامع مثلها ، أو تكون رتقاء : وهي التي يكون بها انسداد موضع الجماع من الفرج ، بحيث لا يستطاع جماعها ، أو يكون الزوج مجبوبا : وهو الذي استؤصل منه عضو التناسل ، أو يكون عنّينا : وهو من لا يقدر على الجماع مع وجود عضو التناسل لضعف أو كبر سن أو مرض ، أو يكون أحد الزوجين محبوسا حبسا يحول دون الوصول إلى الجماع ، أو يكون بينهما مسافة لا يقدر على قطعها في مدة الإيلاء . والعجز الحكمي : هو عندما يكون المانع عن الجماع شرعيا ، كأن تكون المرأة حائضا عند انقضاء مدة التربص عند الفقهاء الذين يقولون بالفىء بعد انقضاء مدة الإيلاء ، أو يكون الزوج محرما بالحج وقت الإيلاء من زوجته ، وبينه وبين التحلل من الإحرام أربعة أشهر ، وهذا عند الفقهاء الذين يقولون : الفىء لا يكون إلا في مدة الإيلاء . فإن كان العجز حقيقيا انتقل الفىء من الفعل إلى القول بالاتفاق ، وإن كان العجز حكميا انتقل الفىء من الفعل إلى القول أيضا عند المالكية والحنابلة وفي قول مرجوح للشافعية . ولا ينتقل عند أبي حنيفة وصاحبيه والشافعي . وصرح الشافعية بأنه يطالب بالطلاق . وحجة القائلين بالانتقال : أن العجز الحكمي كالعجز الحقيقي في أصول الشريعة ، كما في الخلوة بالزوجة ؛ فإنه يستوى فيها المانع الحقيقي والمانع الشرعي في المنع من صحة الخلوة ، فكذلك الفىء في الإيلاء يقوم فيه العجز الحكمي مقام العجز الحقيقي في صحة الفىء بالقول بدلا من الفىء بالفعل . وحجة القائلين بعدم الانتقال : أن الزوج قادر على الجماع حقيقة ، والامتناع منه إنما جاء بسبب منه ، فلا يسقط حقا واجبا عليه . وأيضا : فإن الزوج هو المتسبب باختياره فيما لزمه بطريق محظور فلا يستحق التخفيف . الشريطة الثانية : دوام العجز عن الجماع إلى أن تمضى مدة الإيلاء ، فلو كان الزوج عاجزا عن الجماع في مبدأ الأمر ، ثم قدر عليه في المدة بطل الفىء بالقول ، وانتقل إلى الفىء بالجماع ، حتى لو ترك الزوجة ولم يقربها إلى أن مضت أربعة أشهر بانت منه عند الحنفية ؛ وذلك لما سبق من أن الفىء باللسان بدل عن الفىء بالجماع ، ومن قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل بطل حكم البدل ، كالمتيمم إذا قدر على الماء قبل أداء الصلاة . وإذا آلى الرجل من زوجته وهو صحيح ، ثم مرض ، فإن مضت عليه مدة وهو صحيح يمكنه الجماع فيها ، فلا يصح فيئه بالقول ؛ لأنه كان قادرا على الجماع مدة الصحة ، فإذا لم يجامع مع القدرة عليه يكون قد فرط في إيفاء حق زوجته ؛ فلا يعذر بالمرض الحادث . أما إذا لم تكن مضت عليه مدة - وهو صحيح يمكنه الجماع فيها - فإن فيئه بالقول يكون صحيحا ؛ لأنه إذا لم يقدر على الجماع في مدة الصحة لقصرها ، لم يكن مفرطا في ترك الجماع ، فكان معذورا . هذا ما صرح به الحنفية ، وهو ما يفهم من عبارات المذاهب الأخرى . الشريطة الثالثة : قيام النكاح وقت الفىء بالقول ، وذلك بأن يكون الفىء حال قيام الزوجية ، وقبل حصول الطلاق البائن من الزوج . أما لو آلى الرجل من زوجته ، ثم أوقع عليها طلاقا بائنا ، وفاء بالقول لم يكن ذلك فيئا ، وبقي الإيلاء ؛ لأن الفىء بالقول حال قيام النكاح إنما يرفع الإيلاء في حق حكم الطلاق ؛ لإيفاء حق الزوجة بهذا الفىء ، والمطلقة بائنا ليس لها الحق في الجماع ، حتى يكون الرجل مضرا بها بالامتناع من جماعها ، ووقوع الطلاق بالإيلاء كان لهذا السبب ، ولم يوجد ، فلا يقع عليها طلاق بمضي المدة ، لكن يبقى الإيلاء ؛ لأنه لم يوجد ما يرفعه وهو -